الجذور التاريخية للقومية العربية
لا بد لي أولا من أن اعتذر لأحد رفاقكم المؤرخين لاستعارتي هذا العنوان لمحاضرتي اليوم. ولعلكم قرأتم كتابا صغيرا اسمه “الجذور التاريخية للقوية العربية” للدكتور عبد العزيز الدوري. وأنا أبيح لنفسي هذه الاستعارة لا سيما وأنني قد ناقشته في كتيبه هذا وعارضت كثيرا مما جاء فيه لأنه يمثل في رأيي النظرة التاريخية الكلاسيكية التي لم تتغير خلال الخمسين عاما الماضية إن لم يكن المائة عام الماضية.
وأنا غير معتد عليه. وإنما سأستعمل هذا العنوان لوضع نظرة جديدة للجذور التاريخية للقومية العربية مستمدة من نظرة تستند إلى مفهومنا البعثي للتاريخ. وفي الواقع إذا كان البعث موقفا من الإنسان والتاريخ فلا بد أن يكون له موقف واضح يختلف به عن المواقف التقليدية الكلاسيكية المعروفة.
في ذلك الكتيب “الجذور التاريخية للقومية العربية” يتحدث الدكتور عبد العزيز الدوري عن موضوعين مختلفين تماما:
الموضوع الأول:
هو الجذور التاريخية للقومية العربية كما فهمها هو وفهمها معظم المؤرخين التقليديين.
الموضوع الثاني:
هو الجذور التاريخية للوعي القومي العربي الحديث . وهذا موضوع مختلف تماما عن جذور القومية العربية. وهذا الخلط بين الموضوعين ناتج عن الخلط بين القومية من حيث هي انتماء وبين القومية من حيث هي حركة تحرر. وأنا أريد أن حصر حديثي اليوم في الموضوع الأول وأريد أن أبدأ بطرح بضعة أسئلة وأحاول أن أجيب عنها.
السؤال الأول الذي يفرض نفسه علينا في أول الحديث هو ” متى يبدأ التاريخ العربي؟”.
وللإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نطرح أسئلة فرعية أخرى قبل ذلك السؤال الأول الذي لا بد لنا من طرحه وأولها هو ” ما هو التاريخ العربي؟”.
هل تاريخ العرب أو التاريخ العربي هو تاريخ العرق العربي؟
نحن لا يمكن في الواقع أن نتحدث في القرن العشرين عن عروق نقيه في أي مكان في العالم. لعلنا يمكن أن نتحدث في بعض الأحيان عن بعض العروق شبه النقية في بعض الجزر المنعزلة تمام الانعزال عن التطور الحضاري أو في بعض رؤوس الجبال المنعزلة عن العالم تمام الانعزال. ولكننا لا يمكن أن نتحدث بالفعل عن العروق في الشعوب التي تعيش على وجه الكرة الأرضية بشكل عام. هناك أبحاث في ذوي الرؤوس المستديرة وذوي الرؤوس المستطيلة وذوي الأنف الاقني وذوي الأنف الدقيق والشعر المجعد واللون الأبيض واللون الأسود واللون الأحمر. على أننا نبالغ كثيرا في الواقع إذا اعتقدنا أن هناك مجموعات كبيرة من هذا النوع نقية موجودة على سطح الكرة الأرضية.
ذلك أن التنقلات السكانية في الأزمة السحيقة كانت في الواقع تنقلات واسعة جدا تكاد تزيد على التنقلات القائمة حاليا. لا سيما أنهم كانوا يعيشون في أزمنة ليس فيها جوازات سفر ولا مخابرات ولا تصريح بالخروج. فبمجرد أن تجوع القبيلة كانت تنتقل من مكانها إلى مكان آخر. وإذا رجعنا إلى الأزمنة السحيقة فيجب أن نذكر على الأقل فيما يتعلق بوطننا العربي أن هذا الأخدود الممتد من أنطاكيا إلى باب المندب والذي يضم فيما يضم غور الأردن والبحر الميت والبحر الأحمر ، هو تغيير جيولوجي حديث فصل بين قارتي آسيا وأفريقيا ، اللتين كانتا قبل ذلك متصلتين. فالتنقلات السكانية في الواقع كانت واسعة.
كما أننا نحن ، لا علماء الانثروبولوجيا ، نخطئ اليوم خطأ كبيرا حين نعتاد على حكاية النسب والأنساب. نحن نعلم في علم الأجنة اليوم وفي علم الوراثة أن الخصائص الحقيقية في الإنسان لا يمكن أن تأتي عن أبيه فقط حتى ننسبه إلى أبيه ، وإنما تأتي من أمه أيضا بنفس القدر على الأقل. من هنا فإن نقاء الأب وتاريخ الأب كلام لا يستند إلى أي حقيقة علمية على الإطلاق. كذلك ، ففيما يتعلق بالعرق العربي بالذات فإن علماء الانثروبولوجيا منقسمون إلى قسمين: قسم يقول بأن العرب عرق واحد وقسم يقول بأن العرب عرقان عرق الجنوب وعرق الوسط والشمال. على أي حال فإن مسألة العرق وتاريخ العرق لا تخصنا في هذا الحديث إطلاقا. وبالتأكيد فإن العرب اليوم على الأقل لا يمكن أن ينتسبوا عرقيا إلى عرق واحد بعد ما امتدت بهم الأرض.
فإذا لم يكن تاريخ العرب هو تاريخ العرق العربي فهل هو تاريخ عهد الكلام بلهجة قريش؟ الشائع الآن هو أن تاريخ العرب هو ذلك التاريخ الذي يبدأ بالفترة التي انتشرت فيها لهجة قريش أو بعض اللهجات المقاربة للهجة قريب وعمت الجزيرة. فبعضهم يرجعها إلى القرن الأول قبل الهجرة وبعضهم يرجعها إلى ما قبل ذلك بقرون.
لماذا تنشأ هذه الأسطورة ؟ لماذا يبدأ تاريخ العرب من حيث تبدأ لغتهم الحاضرة؟ هذه الأسطورة تنشأ من حقيقة أن الحضارة العربية التي عمت الوطن العربي بعد الإسلام هي حضارة قامت على نواة أساسية واحدة هي القرآن الكريم لغة ودينا وفلسفة وعقيدة وفقها وتاريخا وما شاكل ذلك. فالجذر الأساسي أو النواة الأساسية لهذه الحضارة كان دائما أنها حضارة لغة وحضارة قرآن بالذات.
فلقد اشتغل العربي بالعلم والرياضيات وبالطب وبالفلسفة وبالفلك وما شاكل ذلك. ولكن الطابع العام لكل الحضارة العربية لم يكن طابع الفلك ولا طابع الكيمياء ولا طابع الفلسفة بل كان طابع اللغة وطابع العقيدة. فإذا ربطنا اليوم بين حضارة اللغة وبين أن تاريخ العرب هو تاريخ لغتهم فنحن لا نبعد كثيرا عن الحقيقة ولكننا أيضا لا نأخذ إلا جزءا من الحقيقة. إذ لا يجوز لنا أن نخلط بين اللغة السائدة وبين مجموع الحضارة وتطورها على مدى التاريخ.
فإذا لم يكن تاريخ العرب هو تاريخ العرق العربي وإذا لم يكن أيضا تاريخ الكلام لهجة قريش أو ما يقرب من لهجة قريش فما هو تاريخ العرب؟ هل هو استعمال كلمة العرب؟ إن العرب كما لا بد لنا أن نعرف هم فرع واحد من فروع التطور الحضاري الكبير النابع من وسط الجزيرة العربية المتوزع والمنتشر في أطرافها. ولا يمكن بسهولة أن نقول أن جميع من هاجر م الجزيرة العربية وأنشأ حضارات حول الجزيرة العربية هم عرب وأن نسكت على ذلك. كثيرون لا بد أن يتهمونا ، إذا فعلنا، بالتعصب وبافتعال التاريخ. فالآشوريون والكنعانيون والكلدانيون لهم صلة بتاريخ العرب. ولكننا لا نسمح لأنفسنا بأن نقول أنهم عرب لهم صلة بتاريخ العرب. ولكننا لا نسمح لأنفسنا بأن نقول أنهم عرب ونكتفي بهذا القول. فالعرب هم فرع من فروع التطور الحضاري الكبير الذي نشأ من الجزيرة العربية وانتشر في الأقطار المجاورة. هذا الفرع تمكن بعد الإسلام وبعد القرآن من امتصاص جميع الفروع التي كانت قد انبثقت من الجزيرة العربية من قبل. تمكن من امتصاص هذه الفروع ومن صهرها في ذاته ، بحيث صبت الروافد العديدة التي صدرت من الجزيرة العربية في حضن التيار الكبير الذي هو التيار العربي المتمثل بشكل خاص بحضارة عربية مستندة إلى القرآن وإلى الإسلام. إذن فمن منبع الجزيرة العربية انبثقت روافد حضارية عديدة ، اكديون وكنعانيون وأغاريتون وسبأيون ، ثم عاشت مع بعض هذه الحضارات الحضارة العربية التي نطلق عليها الحضارة الجاهلية. وحين نزلت الرسالة أصبحت نقطة انطلاق ما لبثت أن تمكنت من جمع هذه الروافد وصهرها جميعا في رافد الحضارة العربية الجديدة الناشئة عن القرآن والإسلام ثم انتشرت بعد ذلك ، لا بشكل خطوط كما فعلت قبل الإسلام ، ولكن بشكل إشعاع مستمر على الوطن العربي جميعا. فإذا سألنا أنفسنا هل ما قبل العرب جزء من التاريخ العربي لقلنا نعم لأن المنبع واحد ولأن المصب واحد. وروافد عديدة صبت جميعها في مصب واحد . إذن هي عربية في المصب هي إذن جزء من التاريخ العربي.
فنحن حين نسأل أنفسنا السؤال الأول الذي أطلقناه في أول الحديث وهو ما هو التاريخ العربي ، متى يبدأ التاريخ العربي؟ لقلنا أن التاريخ العربي يبدأ منذ القدم منذ بدء الحضارة الإنسانية. لأن التاريخ العربي هو جماع كل ما ألقي في هذا الرافد الكبير من حضارات أفرزتها الجزيرة العربية قبل ذلك.
على أن الوطن العربي كما نعرفه اليوم ليس هو الجزيرة العربية وليس هو حوافي الجزيرة العربية المتمثلة بالدرجة الأولى ببلاد العراق والشام. إنما الوطن العربي اليوم يمتد من شمال أفريقيا حتى يصل إلى المحيط الأطلسي. من هنا فلا بد أن يطرح سؤال نفسه علينا طرحا عنيفا. هل التاريخ الفرعوني وتاريخ بربر شمال أفريقيا جزء من التاريخ العربي؟ أم أن العروبة ليست لها صلة بهذا الشمال الأفريقي إلا من بعد الإسلام؟
في كثير مما يكتب المؤلفون يبدو أنهم يحاولون أن يهربوا من التاريخ الفرعوني ومن اعتباره تاريخا للعرب. وأنا واثق بأن كثيرا من مؤرخينا ومؤرخي العرب بالذات لا يبدون أي اهتمام بتاريخ شمال أفريقيا وتاريخ البربر باعتباره أيضا ليس جزءا من تاريخهم. أنا أخالفهم في هذا وأصل إلى النتيجة قبل الأسباب ، أنا أخالفهم في هذا وأقول أن هذا التاريخ الفرعوني وتاريخ بربر شمالي أفريقيا جزء من التاريخ العربي. وحتى نتمكن من البرهنة على ذلك بشكل علمي ، لا بد أن نسأل سؤالا آخر. فهناك ظاهرة بعد انتشار الإسلام تحتاج إلى تفسير بالفعل. انتشر الإسلام من الجزيرة العربية حتى وصل إلى أقاصي الأرض. وصل إلى الفلبين من جهة ووصل إلى المحيط الأطلسي من جهة أخرى وصعد شمالا حتى وصل إلى أواسط أفريقيا. وانتشرت مع الإسلام العروبة. ولكن العروبة وقفت شرقا عند حد لا تتجاوزه هو الحد الإيراني وشمالا عند الحدود التركية اليوم وجنوبا في الصحراء الأفريقية عند نهاية الصحراء.
لماذا انتشر الإسلام حتى وصل إلى الفلبين ، وانتشرت العروبة في الحيز الذي نسميه اليوم الوطن العربي فقط؟ لو نظرن إلى خارطة الوطن الطبيعية لوجدنا فيها ظاهرة فريدة تتميز به عن كل منطقة من مناطق العالم الأخرى. هذه الظاهرة هي سيطرة الصحراء على الوطن من أقصاه إلى أقصاه ، بحيث تشكل مساحته الكبرى.
هذه الصحراء محاطة ومخترقة بحافات زراعية بضعها في منتهى الخصوبة ، وبأنهار كنهر النيل ودجلة ، ودجلة والفرات ، والعاصي الأردن كلهم تنتقض أثر الصحراء ولكنها لا تنقض الأثر الصحراوي العام في المنطقة كلها.
إذ ليست هناك أي مدينة عربية مهمة في كل هذا الوطن العربي تبعد عن الصحراء مائة كيلومتر أما شرقا أو شمالا أو جنوبا أو غربا. جميع المدن العربية المتحضرة بعيدة بعدا ضئيلا جدا عن الصحراء. إذن هناك تشابه في الطبيعة في أنحاء الوطن كله. ونحن نعرف حتى اليوم ، وبعد كل هذا التقدم الحضاري ، أن بدويا في الجزيرة العربية هو أقرب إلى بدوي في ليبيا وإلى بدوي في الجزائر منه إلى أهل بغداد أو أهل دمشق أو أهل القاهرة سواء في لهجته أو في طباعه أو في عادته. الواقع أن هذه الصحراء طبعت الحضارة والسكان بطابع أساسي خاص جعلت للحضارات القائمة في هذا الوطن حضارات متميزة بالعلاقة الجدلية المستمرة بينها وبين الصحراء. الحضارة تنشأ بمغايرة الصحراء والصحراء في نفس الوقت تطبع هذه الحضارة بطابعها. شاءت تلك الحضارة أو لم تشأ هي جزء من العلاقة الجدلية القائمة بين الحضارات وبين الطبيعة الجغرافية التي تقوم فيها هذه الحضارة. جميعكم مثلا تعرفون أن التجار في بغداد أو في دمشق أو في مراكش أو في فاس إنما تقوم تجارتهم على التبادل القائم بين منتجات الحضارة ومنتجات البداوة . والصراع الدائم في التاريخ بين البداوة والحضارة صبغ هذه الحضارة صبغة مستمرة.
العامل الثاني الذي لا بد أن يعرفه علماء اللغات علماء الفيلولوجيا هو عامل وحدة اللغة. وهنا يجب أن نعترف أن علماء الفيلولوجيا العرب مقصرون تقصيرا شديدا في بيان وحدة اللغة في هذا الوطن العربي الكبير قبل قدوم العرب وقبل قدوم الإسلام. نحن جميعا نسمع بما يسمى باللغات السامية. ولكن التقسيم العلمي في علم الفيلولوجيا يعرف أن اللغات السامية جزء من أصل أكب رمنها اسمه اللغات الحامية السامية وتمتد في أصولها عند علماء الفيلولوجيا إلى أصل واحد تفرع إلى فروع عديدة. هذه اللغة تتميز بميزات لا تتميز بها أية مجموعة من اللغات الأخرى. علماء الفيلولوجيا يعرفون هذه الميزات أكثر مني ولكني أمر على بعضها فقط من قبيل التمثيل. في جميع هذه اللغات ترجع أصول الكلمات إلى جذر من ثلاثة أحرف وأحيانا من حرفين ولكن الأكثرية ترجع إلى جذر من ثلاثة أحرف. ضرب ، قتل ، فعل ، صعد. ومن هذا الجذر تمتد المشتقات. الميزة الثانية هي اختلاف الاشتقاق. في جميع اللغات الهندية والأوروبية الاشتقاق غير موجود بالمعنى الذي نعرفه في اللغة العربية أو في اللغات الحامية والسامية. اللغة الأوروبية ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |